الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
66
تفسير روح البيان
ما في بقعة الإمكان من الرسم الفاني وخسر انهم بإضاعة الامرين هو الحجاب الكلى عن الحق بالرين كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * وفي التأويلات النجمية الإشارة في الآية ان من نتيجة طغيانهم وعمههم ان رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة وتمكنت فكانت هذه الحال من نتيجة معاملتهم فلهذا أضاف الفعل إليهم وقال أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وانما قال بلفظ الاشتراء لأنهم اخرجوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع اليه فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ لان خسران من رضى بالدنيا من العقبى ظاهر ومن اثر الدنيا والعقبى على المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم فما ظنك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت منه الأوقات وبقي في أسر الشهوات لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب اليه وفود ولا لسره معه شهود فهذا هو المصاب الحقيقي وَما كانُوا مُهْتَدِينَ لابطالهم حسن استعداد قبول الهداية مَثَلُهُمْ المثل في الأصل بمعنى النظير ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده اى المضروب كما ورد من غير تغيير ولا يضرب الا بما فيه غرابة ولذلك حوفظ عليه من التغيير ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن عجيب وفيها غرابة كقوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وقوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى اى الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال ولما جاء اللّه بحقيقة حال المنافقين عقبها بضر المثل زيادة في التوضيح والتقرير فان التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامح الآبي كيف لا يلطف وهو إبداء للمنكر في صورة المعروف واظهار للوحشى في هيئة المألوف وإراءة للخيل محققا والمعقول محسوسا وتصوير للمعاني بصورة الاشخاص ومن ثمة كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد ولامر ما أكثر اللّه في كتبه الأمثال وفي الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال وفي القرآن الف آية من الأمثال والعبر وهي في كلام الأنبياء عليهم السلام والعلماء والحكماء كثيرة لا تحصى ذكر السيوطي في الإتقان من أعظم علم القرآن أمثاله والناس في غفلة عنه والمعنى حالهم العجيبة الشان كَمَثَلِ الَّذِي اى كحال الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه مستطالا بصلته كقوله وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا والقرينة ما قبله وما بعده خلا انه وحد الضمير في قوله تعالى اسْتَوْقَدَ ناراً نظرا إلى الصورة وجمع في الافعال الآتية نظرا إلى المعنى * والاستيقاد طلب الوقود والسعي في تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها * والنار جوهر لطيف مضيئ محرق حار والنور ضوءها وضوء كل نير وهو نقيض الظلمة اى أوقد في مفازة في ليلة مظلمة نارا عظيمة خوفا من السباع وغيرها فَلَمَّا أَضاءَتْ الإضاءة فرط الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً اى أنارت النار ما حَوْلَهُ اى ما حول المستوقد من الأماكن والأشياء على أن ما مفعول أضاءت ان جعلته متعديا وحول نصب على الظرفية وان جعلته لازما فهو مسند إلى ما والتأنيث لان ما حوله أشياء